قبل مدة ليست بالبعيدة أجرت عدة مجلات وصحف عربية دراسة حول ثقافة الشباب
في مجتمعاتنا ، و قد تزامن نشر هذه الاستطلاعات والاستبيانات التي كانت
أقرب إلى الاستطلاع منها إلى الدراسة رغم تضمنها استبيانات حول الموضوع ،
كان الموضوع المطروح يدور حول مدى و مستوى ثقافة الشباب في مجتمعنا
العربي ، وتطرق أيضا حول المجالات التي تستوعب اتجاهات وميول الشباب أكثر
من غيرها .
في الحقيقة لقد جاءت النتائج حسب ما هو متوقع من نتيجة لموضوع الثقافة
في مجتمعاتنا ، فلم يكن مفاجئا كون المجال الرياضي والمجال الفني -
والقصد من الفن ما هو متعارف عليه - هما الفرسان المتسابقان على المركز
الأول في الاستحواذ على عقول وقلوب الشباب بينما كانت المجالات الأخرى علمية
وأدبية تلهث بهزالها متخلفة عن اللحاق بالمجالين الفائزين ، ففي إحدى
هذه المجلات كان معدل الإجابات الصحيحة في مجال الفن 88% وفي المجال
الرياضي 87% بينما كانت مجالات أخرى كالتاريخ مثلا 57 % و الثقافة
الإسلامية 58 % ، وكما أسلفت فمن المتوقع نتيجة كهذه بل ان نتيجة مغايرة
لهذه النتيجة كانت ستشككنا في مصداقية منهج وضع الاستبيان وموضوعيته ،
و بيت القصيد من هذه المقدمة هو الأسئلة الملحة : اين يضع شبابنا عقله
و في أي مجال يستنفد طاقته ؟ أي ما هي الأيديولوجية التي تحرك أهم شريحة
في المجتمع ومن أين يستقي شبابنا فلسفة حياته ؟ و ما مدى نجاح أو فشل
التربية التي نمارسها على شكل مناهج تربوية أو أندية شبابية وقبل هذا
وذاك ما قدمته أجهزة الإعلام بشكلها الحالي لآمال وآلام الشباب ؟ ،
وهل يجب إعادة النظر في أسس ومنهجية كل هذه المؤسسات لتعيد صياغة
أهدافها والتخطيط لذلك وهل يصل الأمر إلى إعادة البناء الشامل كما هو
معروف لدى الإداريين ؟ ، كل هذه الأسئلة وغيرها تحتاج لتظافر الجهود من
قبل جميع من يهمه الأمر و ليس هنالك عنصر فاعل في المجتمع لا يهمه أمر
عماد مستقبل الأمة وترمومتر تقدمها أو تخلفها وما الشباب إلا ذلك كله .
في حقيقة الأمر وبعيدا عن الشعارات البراقة فإن شبابنا يعاني من خواء فكري
و انيميا ثقافية حادة ودعك من دعاة الانحراف الفكري بجميع أشكاله
ومدارسه شرقية وغربية فالكلام عن ذلك يحتاج لوقفات ونظرات ، أما الخواء
الفكري والثقافي فمظاهره الساطعة للعيان ليست بخافية على العين البصيرة
بما حولها ، فلا يحتاج الأمر للتحقق من ذلك إلا حساب عدد الملاعب و الفرق
الرياضية في قرية أو مدينة وحساب عدد المؤسسات المعنية بالثقافة
كالمكتبات الأهلية و النوادي الثقافية أدبية وفنية - الفنية هنا بمعناها
الشامل من فنون تشكيلية كالرسم والتصوير و جمالية كالخط والتصميم و
التمثيل الهادف كالمسارح الاجتماعية الهادفة - وبعد انتهاءك عزيزي
القارئ من هذه المهمة البسيطة سيتأكد لك ما قلناه عن خواء فكري يجثم
على عقول الشباب ، ولو لم ترق لك هذه الطريقة فعليك بالسؤال عن الأنشطة
الثقافية التي تقام في مدة معينة ومقارنتها بالنشاط الرياضي الذي يقام
في نفس الفترة من الزمن وستجد ما قلناه موافق لنتيجة العملية الحسابية
البسيطة التي قمت بها ، وإذا أحسست بشيء من الشك في نتيجة هذا وذاك
فعليك بما لن يدع مجالا للشك في هذا وذلك بان تجالس الشباب وتسامرهم
لتكتشف ما هي المواضيع التي تستجلب اهتمامهم وتسترعي انتباههم
و لا يملون الكلام حولها وما هي المواضيع التي يتذمرون من ذكرها فضلا
عن مناقشتها بحجة انها ( تسد النفس ) ، و غير هذه الطرق هناك الكثير
مما يثبت لك شيئا لا يحتاج إلى إثبات لوضوحه ووقوع معظم شباب المجتمع
فيه .
فإذا أردنا معرفة المصدر المسؤول عن وصول الشباب لذلك المستوى من
السطحية في التفكير فإننا أمام مجموعة من العوامل المترابطة والمتشعبة
بحيث يصعب فصل بعضها عن الآخر فكما أن الثقافة والأيديولوجية للفرد تتكون
نتيجة عوامل متراكمة و ظروف متباينة في الزمان وخبرات متعددة نتيجة
المرور بمواقف معينة فإن ظاهرة كهذه أعقد من ذلك و الأسباب المكونة
لها أكثر تعقيدا ، قد يحلو للبعض الإشارة بأصابع الاتهام للمؤامرات
التي تحاك في الظلمات كعادة البعض الذين ينسبون الغث والسمين من
المصائب التي تعاني منها الأمة إلى المؤامرة ، وقد يرجع البعض سبب
هذه الظاهرة إلى الحقن الإعلامية السامة التي يتلقاها الشباب من
المهد حتى الوصول إلى عنفوان الشباب بجرعات كبيرة مصاحبة لتدهور
في القيم الاجتماعية منشأه وسائل الإعلام المختلفة ابتداءا من الراديو
وحتى الإنترنت ، وقد يركز البعض الآخر إلى مسؤولية مؤسسات المجتمع
المختلفة تجاه هذا الموضوع وعدم الإهتمام برفع المستوى الثقافي الفكري
للشباب ، وليس من الممكن النظر إلى هذا الواقع بنظرة أحادية الزاوية
حيث انه و للوصول إلى ما يسميه علماء سيكولوجية التعليم بالاستبصار
يجب النظر إلى الموقف نظرة شاملة لجميع جوانبه وأجزائه لإعادة ترتيب
هذه الجوانب والأجزاء للوصول إلى الهدف المطلوب ، ففي الحقيقة ان جميع
ما يطرحه المهتمين من أسباب لهذه الظاهرة تعتبر جزءا من الأسباب
وليس هناك سبب واحد كما قلنا .
فمحدودية الدور الذي تقوم به المؤسسات الاجتماعية و خاصة التربوية
منها له دور رئيس في مشكلتنا هذه ، فالأسرة بصفتها أهم مؤسسة في
المجتمع يقع عليها الجزء الأكبر من المسائلة للتسبب بهذه المشكلة
ذلك أن البيت هو أول الحاضنين للنشء و فيه يبرجم الآباء عقول أبنائهم
حسب مستواهم في التفكير ومدى اهتمامهم بتغذية العقول ورسم اتجاهات
التفكير وتنمية الإبداع الذي يعتبر من ناحية تربوية و حسب آخر البحوث
أهم أسباب التقدم في جميع مجالاته و لا يتم الإبداع إلا بالاهتمام بعقول
الأطفال وتغذيتها أما ان ينشأ الطفل بين أفراد أسرة يقتصر اهتمامهم
به على النواحي المادية والترفيهية فما ذلك إلا كوضع قفل صلب أمام
عقله و كبت قاس لأفكاره وإبداعه والنتيجة تحصد حاليا على شكل اضمحلال
في الفكر والثقافة ، أما المدرسة فالحديث عن دورها في هذه الظاهرة
يشكل حجر الأساس فلم تعد المدرسة سوى مكان شبيه بالسجن بالنسبة للطلاب
بحيث لا يستطيع الطالب إبراز مواهبه وتفريغ طاقاته اثناء وجوده فيها و
خير دليل على ذلك ظاهرة التسرب من المدارس التي أصبحت في مستوى ومعنى
الظاهرة بمفهومها الدقيق ، ونظرة فاحصة لمستوى المعلم - في الغالب -
أخلاقيا وثقافيا وعلميا تزيد من التأكيد على دور المدرسة السلبي تجاه
الطالب و ما المناهج الدراسية الحالية إلا عقبة أمام الانطلاق الثقافي
والصحوة الفكرية للشباب و بالتالي فإن المدرسة كمؤسسة اجتماعية لها
مساهمة فعالة في الوصول بالشباب إلى هذا المستوى ، وليس بقية المؤسسات
الاجتماعية الأخرى بمعزل عن هذا الاتهام ولك ان تتأمل النوادي والتي
أصبح اسمها مقرونا بالرياضة كقولنا النادي الفلاني الرياضي فما عاد
من دور للنوادي غير الاضطلاع بتشكيل الفرق الرياضية وتنظيم الدورات
الرياضية بل ضاق مفهوم الرياضة عندنا حتى صار المقصود بالرياضة
كرة القدم باستثناء بعض النوادي المعدودة ، فإذا انتقلنا إلى
المسجد الذي من المفترض أن يكون دوره فاعلا في جميع الأنشطة
الحياتية لجميع شرائح المجتمع وفئاته العمرية فإننا نلحظ تقلص الدور
الذي يفترض قيامه به وما ذلك إلا لخطأ في التصور ، فهناك خطأ في فهم
معنى العبادة التي أصبحت منحصرة في الصلاة والصوم فما من شك ان تقوية
الوازع الإيماني لدى الشباب من أهم الأسباب للارتقاء بعقولهم وفكرهم
أو ليس الإسلام في أول أمره ظهر حاضا العقول على التأمل والتدبر وحض
الإنسان على القراءة والتفقه ليصبح كل ذلك من أساسيات العبادة الواجبة
، ثم ان تقوية الشعور بالانتماء للإسلام بحد ذاته سيزيد من اهتمام
الشباب بالعالم الإسلامي والمجتمعات الإسلامية المختلفة ليشاركهم همومهم
وأملهم وبالتالي تفتح على العالم وعلى ثقافاته المختلفة .
وليس من الممكن الكلام عن الثقافة و الفكر مع استبعاد دور الإعلام بوسائله
المختلفة التي يمتد تأثيرها ليشمل الجميع ، ومن الطريف والمؤسف ان أحد
الصحف التي أجرت استبيانا حول موضوع الثقافة بحيث عرضت الصحيفة عشرات
الأسماء من مختلف المجالات كشخصيات عامة وأحداث هامة ، فكان من ضمن النتائج
ان المركز الأول في التعرف على الشخصيات جاء من نصيب إحدى المغنيات تليها
إحدى الأغنيات وفي المركز الثالث كان ملاكم عالمي ، فما هو الدور الذي يقوم
به الإعلام ، الإعلام الذي يستقي منه الشباب هذه الثقافة الضحلة التي لا تغني
و لا تسمن من جوع فمن فضائيات هابطة إلى صحافة صفراء ليس لها من هدف سوى
إثارة الغرائز وتهميش دور العلم والثقافة لحد خطير مسكوت عنه ، فهل
بعد كل هذا يعارض معارض على إعادة النظر وإعادة صياغة المنهجية لجميع
المؤسسات الاجتماعية ؟ ، فلنلق نظرة على هذه المؤسسات في الدول المتقدمة
علميا واقتصاديا لنر الفرق .