(Ce n'est Pas Pour nous)
قد يندهش القاريء الكريم و هو يراني اعنون هذا المقال بلغة أعجمية ، فليعذرني إذ ليس ذلك لقصور لغة الضاد عن التعبير عن العنوان فإن لغتنا العربية برهنت عبر تاريخها على أنها استطاعت أن تعبر عن أدق المعاني وأشدها غوصا في النفس البشرية ، وكفاها فخرا أن الله تعالى قد اختارها لغة لكتابه العزيز ، لكن اختياري هذا مسألة نفسية فقط ، و مرتبطة بالأثر العميق الذي خلفته هذه الكلمة في نفسي لأول مرة سمعتها ، و إن كنت لم أدرك معناها إلا بعد برهة من الزمن ، وإلى القاريء الكريم مزيد بيان ، ترجع قصة هذه العبارة إلى أيامي الأولى في أحد المعاهد الفرنسية ، وكنا ثلة من رفاق الدراسة ننتظر إحدى الحصص في منتزه قريب من المدرسة فيه مقصف خاص بالطلبة ... جلست أنا وبعض من هؤلاء الرفاق إلى طاولة ، في حين جلس الباقي خلفنا حول طاولة أخرى .. وطلبت عصيرا وطلب باقي الرفاق مبردات .. طلب أحدهم في الطاولة الخلفية - كجل زملائه _ زجاجة ((كوكا كولا )) فانحنى عليه زميله بجانبه وهمس في أذنيه وهو لم يدر أنه يهمس في أذني كذلك : (Ce n'est Pas Pour nous) التصقت هذه العبارة بأذني فالتفت إلى مصدرها فإذا الطالب الهامس زميلي في الصف من عائلة يهودية معروفة ، وإذا المهموس له طالب في صف آخر من معهدنا تبين لي فيما بعد أنه من نفس ( عائلة ) الهامس ، وظللت أفكر في تلك العبارة وأقلب النظر فيها ، وأنا أعلم أن هذا المشروب غير المحتفى به هم الذين صنعوه وروجوه وأدخلوه كل بيت في العالم ، فما معنى قول القائل منهم (( هذا المشروب ليس أهلا لنا .. !!! )) وهو ما يمكن أن يترجم العنوان المشار إليه ، إذا لمن صنع هذا المشروب .. ؟؟؟ و هل الأمر يقتصر على هذا المشروب وحده ، أم الأمر يتجاوزه إلى أمور أخرى ..؟؟ ، انتقل بك أيها القاريء الكريم إلى حدث آخر سيضيء بعضا من جوانب هذه المسألة : حدثت لي هذه الأيام في غمرة انشغال الناس بحمى كرة القدم واقعة بسيطة لها أكثر من دلالة ، فقد مررت وأنا في طريقي إلى السوق ، بباب مقهى من مقاهي البلاد العربية يجتمع فيه الناس وعيونهم مسمرة إلى التلفاز يتابعون بنهم مباراة - بين المغرب و السعودية -وأردت أن أختبر عواطف هؤلاء ومشاعرهم فسألتهم بصوت متهدج و أنا أصطنع حماسة كبرى : ( أين وصلت النتيجة ؟ ) فالتفت إليّ أكثر الحضور وأجابوني بلسان واحد : ( النتيجة التعادل 1_1 ) ويبدو لي أنني لو ألقيت نفس السؤال على أي مجموعة متفرجة في تلك اللحظة في جميع أنحاء العالم على افتراض أن الفريق المحبب يخوض الغمار لكن الجواب بنفس الحماس ونفس البريق مما يؤكد أن هذه اللعبة قد أصبحت -بفعل الجهود التي بذلت من أجل تنظيمها وترويجها- ذات مكانة كبرى في حس اكثر الناس . . إلى الحد الذي يمكن القول معه أن هذه اللعبة أصبحت "لغة للتواصل " ووسيلة من "وسائل التعاطف العالمي" و"الهم الإنساني"كما أصبحت وسيلة من وسائل نشر " الحقد العالمي " و "العداوة الإنسانية " وهكذا أصبحت اخوّة هذه اللعبة تقرب بين الأباعد ، في الوقت نفسه الذي تفرق به بين الأقارب..!!! إن هذا النوع من التفكير الذي أخذني وأنا أتأمل مقالة زميل الدراسة ، وما أراه من انشغال أمتي في تفاهات يصنعها الغرب ،ثم يروج لها لتصبح الهم للكبير والصغير ،والرجل والمرأة ،والمثقف والجاهل، والغني والفقير ..ليأخذني مرة أخرى الى التأمل في بعض القضايا الأخرى المرتبطة بمسار تفكيرنا السابق ، لقد نشأت أمتي على قيم الحق التي أنشأها الدين في النفوس ، والتي شكلت في يوم من الأيام ذلك الرباط العالمي ، الذي يجمع أفئدة المسلمين من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق ، وكانت هذه الوحدة العقائدية وما خلفته من مشاعر مشتركة بين المسلمين تشكل دوما (خطرا) على غير المسلمين ، وقد استطاع الغرب ، مستغلا انحطاط وضع أمتنا وضعفها ، أن يفصم هذه العرى وأن يحل محلها عرى ضيقه كعروة الوطنية ، مثلا ، التي تغلغلت في نفوس المسلمين وطبعت حكامها بطابع قوي ، إلى الحد الذي أصبح بعض هؤلاء الحكام لا يستحي من أن يصيح على أمواج الإذاعة وشاشة التلفاز أمام الملأ " أنا وثني " و انحسر الإسلام في النفوس واستغل الغرب هذا الانحسار ، وزاد في تقطيع الأوصال النفسية للمسلمين ، وساهمت " اللعبة المحبوبة " في بث قيم جديدة بين المسلمين والعداوة بينهم ، كما بثت هذه القيم وتلك العداوة من قبل ، وما زالت تبثها ، بين غير المسلمين من الأجناس والقوميات الأخرى ، لكن ألا يحقق لنا نحن المسلمين أن نهمس في أذن بعضنا البعض ، لكن هذه المرة بلغة فصيحة " إن هذه اللعبة - وغيرها مما يروج لنا وللبشرية جمعاء - ليست أهلا لنا ..! ونحن عندما نشير إلى هذه اللعبة ، لا نشير إليها كرياضة بريئة يلهو فيها الخل مع خلانه في لحظة من لحظات المتعة و الفرح ، و لكننا نشير إليها كرمز يشير إلى كل شيء يريد الغرب أن يلهينا به عن وجودنا ومصيرنا ، ويستغل انشغالنا لينفذ مخططاته الرهيبة كما وقع سنة 1982م خلال " المونديال الأسباني " حيث استغلت قوى المكر انشغال الأمة بأدوار هذه الكأس ، فاجتاحت اليهود جنوب لبنان ..، وإذا كان اليهود يبدعون في صنع شتى الوسائل الممكنة لشغل الناس عن قضاياهم من غير أن ينشغلوا هم بهذه الوسائل ، وإنما يتفرغون فقط للتخطيط المستمر لتطويق العالم ، فإنهم يملكون كل الجرأة في التصريح علنا بأنهم العقل الذي يفكر به حكام المسلمين على الخصوص ، و العالم على العموم ، ويحضرني هنا ما صرح به الرئيس السابق للرابطة اليهودية العالمية في نهاية السبعينات من أنه يعطي توجيهاته و أوامره لكثير من الحكام _ ذكر أسماء بعضهم _ من حمام بيته !!!! ، إن اليهود الذين يوجهون أوامرهم بهذه الكيفية لحكام المسلمين ، منشغلين بتربية نخبهم تربية تبعدهم عن سفاسف الأمور - وإن ساهموا في ترويجها - وتملأ فكرهم و عواطفهم بالحرص و الرغبة على تحقيق الأهداف المرسومة لهم ، ومن هنا يعلمونهم الإبتعاد عن الأشياء التي صنعوها من أجل استغلال البشرية ويوصون بعضهم البعض بلغات شتى " Ce n'est Pas Pour nous " . إن العبر التي يمكن أن نستخلصها من هذا العرض البسيط تظهر جلية بأحسن بيان في قول الله عز و جل من سورة لقمان (( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين )) ( لقمان 6 ) ، فهذه الآية تشير إلى وجود جبهات إلحادية همها إخراج الناس من نور العلم إلى ظلمات الجهل ، و من شمس الإيمان إلى ليل الكفر و الفسوق و العصيان يقول الله تعالى (( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا و اصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير )) ( البقرة 159) و لم يتركنا الإسلام بدون حل ، بل أرشد إلى الدواء الناجح الذي يمكن أن نلمسه في الآية الكريمة اللاحقة من سورة البقرة (( و أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة و ما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير )) ( البقرة 115) و في قوله عز و جل في وصف المؤمنين بأنهم عباد الرحمن الذين (( إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما )) ( الفرقان 79 ) بل وعد الله سبحانه و تعالى المعرض عن اللغو بالفلاح (( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ، و الذين هم عن اللغو معرضون )) ( المؤمنون 1-3 ) ، وآخر ما اختتم به مقالي هذا نصيحة قلبية لإخواني المؤمنين ، أن يفوتوا على الماكرين فرصة سرقة وقتهم وزمانهم ، الذي يشكل مجموع عمرهم الذي سيحاسبون عليه أمام الله عز وجل ، وأدعوهم الى ملء وقتهم بما يرجع على دينهم ودنياهم بالخير و ما يخدم مصلحة المسلمين . الكاتب : جمعة المغربي مقال من مجلة التجارة العربية الآسيوية(AAT ) ( العدد 181 ).